![]() |
|
![]() |
العداء للسامية أم للخطية؟ June 9, 2010 العداء للسامية أم للخطية! المقدمة شدد بعض المسيحيين أن اليهود هم قتلة المسيح. فهم الذين قالوا: "دمه علينا وعلى أولادنا" (مت 27: 25). ورد بعض اليهود قائلين: أن الاناجيل الإزائية (متى، مرقس، لوقا) غير دقيقة تاريخيا مستندين في نقدهم إلى قوانين المحاكمة في المشنا التي تمنع محاكمة الناس ليلا واصدار حكم الإعدام عليهم وتطلب أن يكون القضاء في الهيكل وليس في بيت رئيس الكهنة، وتؤكد على ضرورة وجود محامي دفاع، وترفض تهمة التجديف إن لم يلفظ المتهم اسم الله (سانهدرين 4: 1). ويضيف المفسر اليهودي كوهين قائلا: أن اليهود حاولوا انقاذ المسيح من الرومان وليس قتله وأن الاناجيل الإزائية قد كُتبت من منظار العداء للسامية وللمجمع اليهودي واليهودية (EBC 8: 549 – 550). لا شك أن قصة اعتقال ومحاكمة يسوع المسيح ساهمت في اضعاف علاقتنا مع اليهود. وزادت سهولة تعميم إدانة اليهود في ضوء النكبة سنة 1948 والنكسة سنة 1967 وما عاناه شعبنا من التشديد على تفوق اليهودي على العربي وعلى يهودية الدولة بدلا من تشكيل دولة لكل مواطنيها. وهكذا سادت الاثنوقراطية (حكم فئة اثنية واحدة) بدلا من الديموقراطية. وتنوعت ردود الفعل العربية. وصوّر بعضهم اليهود كأعداء مقدمين اليهودية كنقيض للمسيحية مما سهّل نمو اللاسامية. وللأسف، نرى اليوم في بلادنا بعض الأصوات العربية اللاسامية. فمثلا، يصرخ الناس في القدس يوم سبت النور قائلين: "يا يهود يا يهود عيدكم عيد القرود وعيدنا عيد المسيح". استنادا إلى ما سبق، نؤكد أن تأملنا في قصة اعتقال السيد المسيح ومحاكمته ضروري لتواصلنا مع الماضي وتفاعلنا مع واقعنا الحاضر في دولة تحتضن ملايين اليهود بين سكانها. فدعونا نسرد قصة محاكمة السيد المسيح كما وردت في الاناجيل. ثم نتحدث عن بعض الدروس التي نتعلمها من قصة اعتقاله. بعد أن قبض الجنود عليه أخذوه إلى حنّان الذي كان رئيسا للكهنة من سنة 6 – 15 ميلادية. ولقد أقاله الوالي فالريوس جراتس (Valerius Gratus) من منصبه، إلا أن موقع رئاسة الكهنوت بقي في عائلة حنّان. وهكذا يخبرنا المؤرخ يوسيفيوس عن ابناء حنّان الخمسة الذين صاروا رؤساء للكهنة واحدا تلو الآخر (Antiquities xx: 198.). ثم صار زوج ابنته قيافا رئيسا للكهنة. ونقرأ في العهد الجديد عن رُؤساء الكهنة وليس عن رئيس الكهنة كما اعتدنا في العهد القديم. لقد كانت رئاسة الكهنوت منصبا دينيا وسياسيا في ذات الوقت. وبسبب أقدمية حنّان، اعتبره اليهود الرئيس الديني بالرغم من كون قيافا هو الرئيس السياسي أمام الرومان. لقد أخذوه إلى دار حنّان الذي سأله عن تعليمه وتلاميذه. وصمد يسوع أمام الضغوطات ولم يخن تلاميذه أو يلق اللوم على الآخرين. وبعد محاكمة حنّان ارسلوه موثقا إلى قيافا (يو 18: 24). وفي دار قيافا، تجمّع رُؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ ليحاكموا الناصري. وهكذا اجتمعت الفئات الثلاث الرئيسة. وكان عدد أفراد المجمع واحدا وسبعين فردا. سبعون قائدا تحت رعاية رئيس الكهنة وسيد مجمع اليهود. كان يكفي ان يلتقي 23 فردا منهم ليكون لقاؤهم قانونيا. وكانوا يطلبون شهادة زور على يسوع ليتخلصوا منه (مت 26: 57). قضوا الليل كله في محاكمة الناصري لكي يسلموه في الصباح للرومان ويتأكدوا من صلبه قبل انتهاء يوم الجمعة وقدوم سبت الفصح. ولما كان الصباح ذهبوا إلى الهيكل حيث انضم جميع رُؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وحكموا عليه أنه مستوجب الموت (مت 27: 1). ولقد أكد تاسيتس الوثني الروماني حقيقة محاكمة يسوع وصلبه (Annals XV: 44). وشهد لهذه الحقيقة يوسيفيوس المؤرخ اليهودي (Antiquities 17.3.3). وها نحن نقرأ في الانجيل المقدس هذه القصة المؤثرة. فما هي الدروس التي نتعلمها منها؟ في ذات الوقت، تشديدنا على فئة ما لا يعني تبرئة باقي الجنس البشري. فالجميع اخطأوا وفشلوا في الحفاظ على قانون محبة القريب وبذل الذات في سبيل ارساء قواعد الحق والسلام. لهذا يجب أن يؤكد الحوار المسيحي – اليهودي على مساواتنا جميعا في الفشل والسقوط وعلى عدم تفوق احدنا على الآخر. ويجب أن يُبرز المسيحي سيده المسيح وعدالته ومحبته ووفاءه. فعلاقة المسيح مع يهوذا نموذجا لعلاقتنا مع كل من يرفض المسيح. لقد وبخ المسيح يهوذا على خيانته وتقصيره ولكنه أيضا غسل رجليه وقدم له الخبز على مائدته مظهرا المحبة الإلهية. الخيانة هي نقيض الثقة والوفاء ولا يمكن علاجها إلا بالمحبة. وهكذا يدعونا الله إلى الالتزام بالمحبة والعدالة نحو اليهود ونحو وكل شعوب هذه الأرض حتى وإن خانوننا فإن واجبنا أن نلتزم بالمسيح ومحبته وعدالته ولا نخون العهد معه. وهنا أتذكر قصة سمعتها عن عريس يوم زفافه. كان العريس واقفا بجانب عروسه الجميلة. واثناء قيادة رجل الدين مراسم الزواج وفي لحظة تقديم سؤاله للعريس: "هل تقبل بهذه المرأة زوجة لك؟" شاهد العريس رؤية. رأى حياته الزوجية أمام عينيه. وشاهد كل المشاكل والتحديات التي سيواجهها مع عروسه. شاهد المرات التي ستتفوه بها بكلمات نابية والأوقات التي ستخطئ بحقه والألم الذي سيلحق به. بعد انتهاء رؤيته التي دامت لوهلة قصيرة كان سؤال الزواج ما زال يدوي في اذنيه والجموع تنتظر جوابه. فنظر العريس إلى عروسه التي يحبها بشدة. وبالرغم من معرفته بالألم والصعوبات التي قد تأتي عليه، قرر أن يرتبط بعروسه لأنه ببساطة يحبها. يا أحبائي: هذا ما فعله الله الذي يعرف المستقبل وكل تفاصيل الحياة. ويرى نملة سوداء على صخرة سوداء في ليلة سوداء. لقد قرر الإله العارف القلوب أن يرتبط بنا نحن الخطأة لأنه يحبنا. إن قصة ذهاب يسوع إلى الصليب هي قصة العريس الذي صُلب لأجل عروسه لكي يقتنيها بدمه وهو عالم أنها قد تستهين بتضحيته في بعض الأحيان، ولكنه مصمم على محبتها. وتذكرني قصة ملك بروسيا، فريدريك الثالث، بمفهوم قيمة الصليب. سنة 1813 احتاج الملك فريدريك للذهب ليستطيع أن يقف أمام اعداءه، فطلب من شعبه ان يعطوه ذهبهم ويعطيهم بدلا منه قطعة حديدية مكتوب عليها: اخذت حديدا بدلا من الذهب، 1813. لقد تدفقت نساء بروسيا ليعملن هذا الأمر حبا لبلادهم ولملكهم. وهكذا صار الناس يلبسون صلبانا حديدية بدلا من الصلبان الذهبية. وصارت قيمة الصليب الحديدي أكبر من أي صليب آخر بسبب التضحية التي ارتبطت به. هل نحن مستعدون أن نضحي لأجل المسيح كما ضحى هو لأجلنا؟ الخدمة التي لا تكلف شيئا لا تنجز شيئا. أما الخدمة التي تكلف حياة المسيح فهي تقتدر أن تقلب جهنم رأسا على عقب. واخيرا، بدلا من لوم اليهود على قتل المسيح والبكاء على خيانة الآخرين وانكارهم، دعونا نتأمل في خياتنا وانكارنا وقرارتنا أن نتجاهل ربوبية المسيح وملكه على حياتنا. فخطيتنا هي التي قتلت المسيح ويجب أن نعادي الخطية. وبدلا من تركيز انظارنا على خطايا اليهود أو حتى خطايانا دعونا ننظر إلى أمانة المسيح وقوة دم المصلوب القادر أن يعطينا الغفران والحياة الجديدة. دعونا نتأمل في صبر الله وأمانته وتواضعه وشدة محبته ودعوته لنا أن نأتي إليه. نعم، لنذهب إلى يسوع المصلوب فنجد في جراحه شفاء لقلوبنا وفي كلماته: يا ابتاه اغفر لهم، فرصة جديدة للتوبة. يا ليت يسوع المصلوب يكون في حياة كل فرد منا. |
